كيف التهم التضخم سيدة المطبخ السكندري؟

مثل كل أم، يمتلئ يومي بالكثير من المهام لرعاية طفل وحيد، تتشابه أيامي طوال الوقت بسبب عملي من المنزل أحياناً، لكن الفقرة الأهم في اليوم هي تحضير وجبة الغداء التي نتناولها في منتصف اليوم، وتٌعدّ الوجبة الرئيسة. في كل صباح يشغلني تحضير تلك الوجبة التي تنقسم لنوعين، أحدهما، نوعٌ أنهمك في تحضيره ويتضمن الطبخات المعقّدة، والنوع الآخر البسيط دون تعقيد، أقسّم الأيام بحيث ألا أضطر للطبخ يومياً.

في صباحات كثيرة، أضطر للتخلي عن فكرة وجبة الغداء على حساب انشغالي بالكتابة، فنضطر لطلب الطعام، لكن في ظل التضخم الذي ضاعف من سعر الطعام خارج المنزل بات ذلك خياراً صعباً.

الابتكار والاختصار

أعتبر ذلك وقت الابتكار، واختراع وجبات لا تستهلك المجهود ولا الوقت، وأهم تلك الوجبات هي الخبز باللحم “عيش باللحمة” والتي تعتبر وجبة ”سكندريّة“ خالصة، لا تشبه الحواوشي المصريّ الذي يصنع باللحم المفروم والخبز الناضج. تشبه وصفتنا وصفة اللحم بالعجين الشامية، حيث نتّبل اللحم بالبصل المقطع والملح والفلفل ونضع خضرة مثل البقدونس نفرمها مع اللحم الناعم. والخبز، عجين نخبزه خصيصاً، بداخله خليط اللحم، حيث تفرد العجينة ونضع بداخلها اللحم ونغلقها ونضعها لتنضج في الفرن، فينتج أرغفة خبز بداخلها اللحم الساخن.

في معظم الأوقات لا نصنع تلك الوجبة في مطابخنا، إذ أنها وجبة شديدة السهولة حيث نتبّل اللحم – المفروم فقط – ثم نتجه لأقرب مخبز لطلب كرات العجين، بجوار الفرن المعدني طاولة جاهزة لصانعي الخبز باللحم مثلنا حيث يضع الخبّاز العجينة الدائرية ونضع  نحن بداخلها كرات اللحم ونغلقها جيداً، نفردها بأيدينا لنسلمها للخباز الذي يضعها في الفرن ويخرجها عند نضجها.

في معظم الأوقات، لا تكلفنا تلك الوجبة سوى كيلو من اللحم المفروم مع البصل وجنيهاً لكل رغيف من العجين، وتجمع بين السهولة واللذة. لا تتوقف الوجبة على اللحم فقط، إذ أنها تصنع أحياناً بحشو السجق والخضروات والجبن أو البسطرمة، وكل محل جزارة بالإسكندرية يضع فرناً معدنياً أمامه وطاولة عليها العجين كي يبيع أرغفة الخبز باللحم جاهزة.

العيش باللحمة Vs الحواوشي

أتذكر منذ سنوات حينما انتقلت للعيش في القاهرة، كنت أبحث عن المخابز القريبة التي سأصنع بها تلك الوجبة السهلة والمناسبة لفتاة في بداية زواجها لا تريد أن تقضي وقتاً طويلاً بالمطبخ.

كل مخبز أتوقف عنده لأسأله عن طاولة العجين لصنع الخبز باللحم، يحدق بي ولا يفهم. في القاهرة يتربع الحواوشي على عرش الوجبات السهلة، يصنع من خلال فرد اللحم المفروم النيء في رغيف من الخبز الناضج وإعادة خبزه في الفرن، فيخرج رغيف الحواوشي مقرمشاً عند الحواف وطرياً من الوسط من أثر دهون اللحم التي تساقطت عليه.

لكن طعم الخبز باللحم السكندريّ مختلف تماماً عن ذلك، لا يكون ذلك مرتبطاً بمكونات الوجبة السهلة واللذيذة، لكنه مرتبط بكونها سيّدة المطبخ السكندري، في المناسبات العائلية نوزع أرغفة الخبز باللحم على الأقارب والجيران، ومن يحصل على ترقية أو علاوة في العمل يطعم زملاءه الخبز باللحم، لترتبط الوجبة بكل تلك الأحداث المفرحة التي تمر بنا، ولا بأس بأحداث حزينة مثل الجنازات وضيق الوقت المرتبط بحدوث أزمات عائلية، فلا نستطعم تلك الوجبة بلذة فقط مرتبطة بمذاقها الشهي، لكنها تذكرنا بالعائلة والفرح والحزن والسعة التي نشرت تلك الوجبة في كل البيوت.

المخابز التهمها التضخم أيضاً..

بالقرب من منزلي مخبزٌ افتتحه صاحبه منذ شهور قليلة، حيث يخبز الخبز الأبيض الشامي، والخبز الأسمر شبيه الخبز المدعّم. يعيش هذا النوع من المخابز على صنع الناس للخبز باللحم، ويتواجد في كل شارع ومنطقة في مدينة الإسكندرية.

في ذلك اليوم أعددتُ اللحم المفروم المتبّل بالبصل، واتجهت إليه كي أصنع أرغفة الخبز باللحم، لكنني وجدت المخبز أغلق أبوابه مثل الكثير في نفس الشارع والمنطقة، أكثر من ثلاثة مخابز في الشارع الذي أسكن فيه أغلقوا أبوابهم.

التَهَم التضخم تلك المخابز، وجعل من أرغفة الخبز باللحم حلماً للكثيرين، حيث تضاعف سعر اللحم البلدي أكثر من مرة خلال شهور قليلة، وبدلاً من دفع جنيهٍ واحدٍ لرغيف الخبز الذي نضع بداخله اللحم، أصبحنا ندفع زيادة عن سبع جنيهات لكرة صغيرة من العجين لا تكفي لوضع اللحم فيها.

التهم التضخم الوجبة السكندريّة المحبّبة لنا وأكل معه تلك المناسبات التي ارتبطت بها، وذكرياتنا أيضاً.
كنت أحمل في يدي وعاء به نصف كيلو من اللحم المفروم المتبّل، الذي وصل سعر الكيلو منه لأربعمائة جنيه، وأعود للمنزل كي أستعد لتحضير العجين بنفسي، حوّل التضخم  تلك الوجبة السهلة لوجبة صعبة، تحتاج الكثير من الوقت والمال كي نتناولها.

spot_imgspot_img