مشهد 1:
سبعة ألوان شاهدتها في الساعة الأولى، أشتّت رأسي بتعدادها؛ أحمر، أبيض، بني، بيج…. صراخ ونواح، أعود للتركيز على السجادة الإيرانية في صالة بيت جدّي، 10 ألوان؛ أحمر، بنّي بدرجتين، هذا أبيض أو لؤلؤي؟ عمّتي الكبرى تجرح صدري بصراخها، أشعر بصوتها يختفي تدريجياً، طعم دموع الحزن مالح كالبحر، أخبر أخواتي بعد هذا المشهد بعشرة أيام أن دموع الحزن طعمها مختلف، طعم الحزن حاد، شديد، يلسع في حلقي كل الجروح التي سبّبها صراخ عمّاتي.
مشهد 2:
بتول الصغيرة، 5 سنوات، لا تهدأ ولا تجلس، تجلس العمّة – سأطلق عليها اسم رؤيا – بكل صبر، تمسك بيديّ الصغيرتين لترسم أدق الوردات بحنّة أتباهى بها أمام صديقات الطفولة، بالمناسبة عمتي رؤيا هي الوحيدة التي يجب أن نطلق على أصابعها أنامل، دقيقة، رقيقة وطويلة، لم أرها يوماً إلا بأظافر منمّقة قصيرة كانت أم طويلة؛ مبهرة بنعومتها ورقتها، أصابع شوكولاتة عندنا تحتضن أصابعك في سلام تشعر بدفئها، رغم أنني لا أتذكر يوماً أن حييتها بمصافحة، تستقبلني بالأحضان دائماً بابتسامة لا مثيل لها، حضن باتساع العالم، حضن بمشاعر قبيلة، حضن ينسى الواحد منّا فيه أن الكون يمر، حضن أشتاقه وأستغرب كيف للعالم أن يكمل مجراه دون أن يفتقد وقع أقدامها على الأرض! كيف للعالم أن يستمر من دون أن يتلفت بحثاً عن حضن منها يطمئنه أننا لا نزال بخير.. لسنا بخير يا عمّة.
مشهد 3:
بيت جدي، الساعة 12 ليلاً أم فجراً لا أعرف، بقايا طعام لم يمس على الطاولة، وكأن العالم توقف في منتصف جملة بالضبط، توقف عند نقطة ذوبان الجبنة على برغر لم ولن يؤكل، رائحة المنزل غريبة، ليست تلك التي أعرفها وأحفظها، أنظر في كل الزوايا ولا أعرفها، أتجوّل بين الصالة والمطبخ والممر الفاصل بينهما، وكل ما أشعر به بأن رائحة هذا الطعام تقتلني، وأظنها تقتلهم أيضاً، قبل ساعات فقط كان الكون يعج بالحياة وكنا نعد الطعام ونأكل ونشرب ونضحك، قبل ساعات فقط كانت الساعة بعقاربها تمشي كما يجب، كانت الساعات تمشي كما أُمرت، منذ ساعات فقط كانت لدينا رؤيا.
مشهد 4:
صيف 2021، بعد أن قضيت الجائحة وحيدة بعيدة، تستقبلني هي برفقة عائلتي وفي يدها باقة ورد رائعة، أول باقة أتلقاها في حياتي كانت منها، ومن غيرها عاشقة للورد وكل ما هو جميل؟ أتذكر توصيات إخوتي وكل العالم سلام من بعيد، لا زلنا نعاني من بروتوكولات كورونا، ومن غيرها لا يأبه والشوق يدفعها لتستقبلني بأحنّ حضن وأكبر ابتسامة، وبوليمة تلائم الملوك، كانت تمشي والخير يتساقط منها، تهدّد عرش حاتم الطائي بكرمها، تفتح يدها فقط فتنبت حقولٌ حولها..
صيف 2024 أجلس على قبر لا معالم له سوى روائح زاكية وورود منثورة، أحمل كيساً من المشموم الحساوي -الريحان العطري- أنثره برويّة، دموعي تختنق في حلقي وأطلق لها العنان مع ابتسامة، كلنا كنا نعرف حبها للورود، حتى أن قبرها أصبح روض جنان.
مشهد 5:
ثاني أيام العزاء، أقف مع أختي أجهز السواد، لا أحد يتكلم، أبي وأمي يجلسان بعيدين عن بعضهما وكل في عالمه الخاص، أبي ينطق أخيراً: ما أقوى قلبي، وأنا الذي أنزلتها للقبر!
كل الذي أذكره هو أنني لم أرَ أبي أبداً ينهار بهذا الشكل، يحاول التماسك وأن يغيّر الموضوع لكن دموعه تسبقه، دموع غزيرة، دموع مكلوم، دموع كل الذين ماتوا من قبل، يبكون الرؤيا بعينيّ أبي، دموع أب وأم وإخوة رحلوا يحملها أبي على عاتقه لكنه يذرفها، دموع عائلة كاملة بثقلها على ظهر لم يعد يحتمل، يصرخ بنا يحذّرنا من أن نموت.
هل هذا ما يتبقى من الإنسان حين يرحل؟ مجموعة مشاهد متقطعة غير متسلسلة تكاد لا تذكر، وكأنها فيلم أعجبك لكنك لم تشاهده منذ عشرات السنوات حتى لم يبق منه في ذاكرتك سوى إحساسك تجاهه، أنه أعجبك، وأنك تحبه، وأنه كان سريعاً مثل رؤيا.
كنت في أيام العزاء أجلس وأسرح بنظري في النساء اللاتي من المفترض أن يأتوا لتعزيتنا، للتخفيف عنا، أنظر للعالم بشكل أبله، أسرح في النسوة يعزّين بعضهن بعضاً، كلنا مكلومات، كلنا نشعر بأنها سُلبت منّا، اُخذت عنوة، تستنكر أختي سؤال النسوة المعتاد في العزاء: “ما جاكم خبيث؟” إلا! جاءنا. وأي خبيث أعظم من الفقد؟ وأي سوء يجري علينا أعظم من هذا كله؟ ألا ترون كيف ينخز الحزن خواصرنا جميعاً حتى بتنا لا نستطيع الوقوف؟ صعبة كلمة “البقى براسك”، صعب كل الكلام، والأصعب أن أترحم عليها، حتى بعد مرور كل هذه الأيام لا أستطيع حمل نفسي على قولها، لساني لا يريد، وقلبي يرفض، وعقلي لا يزال غير مستوعب.
قرأت مرة أن أغرب ما في الموت ذوقه الرفيع، فهو لا يختار من الأحبة إلا الأجمل في العين والأغلى في القلب، أتناقش مع أخواتي عن سبب هذا كله؟ عن جدواه! عن الرسالة المبطنة خلف كل هذا الألم الذي أظنه لن يبرح حياتي، والجرح الذي لا يبرأ الذي خلفته بعد رحيله. أتساءل عن عبثية الموت وانتقائيته، عن الرغبة في الصراخ حتى يتوقف العالم وتنتبه كل الآلهة لهذا الحزن المصبوب في قلبي.
إنني أعيش هذه الأيام بكثافة عالية، بثقل حجر، بعمق بئر، أكاد لا أفتح عينيّ إلا أراها، ولا أغلقها إلا قبل أن أتمنى رؤياها، حتى حين أقبض على نفسي منغمسة في عملي غافلة عنها أشعر وكأنني أخون ذكراها. في العديد من المرات أتوقف وأفكر؛ أحقًا لن أراها مجدداً؟
أفتح سجل المراسلات بيني وبينها، أقرأ كل الرسائل، كل التعليقات، كل الصور، كل وصفات الطعام، كل “يا عيون عمّتك”، كل “حبيبة العمّة الحلوة” كل “اشتقنا لك” تمزّع قلبي، أعض على لساني كي أمنع دموعي من أن تتساقط وأنا أشهق، اشتقنا يا عمّة وكيف السبيل إلى الصبر؟
أرملة كنتِ أم رؤى، لكن الأكيد أنك كنتِ رؤيا.. وكم يعز عليّ يا عمة أن أستخدم الماضي في الحديث عنكِ، وأنتِ الحاضرة بكل رقتك، بكل كرمك، بكل ضحكتك الواسعة، دائمًا، كنتِ ولا تزالين أرق من النسيم إذا سرى.




